((((( لغة ****البيان )))))

اهلا وسهلا بزائرنا الكريم
((((( لغة ****البيان )))))

منتدى يختص بمادة اللغة العربية وكل معلومة ثقافية

تعصي الإله وأنت تظهر حبه ... هذا محال في القياس بديـع لو كان حبك صادقا لأطعتـه ... إن المحب لمن يحب مطيـع
        

http://noor-alhaq.blogspot.com

             مدونة في القانون الدولي الانساني

تحليل سيميائي ليحيى بن يعمر

شاطر
avatar
فلسطينية الهوية
Admin

عدد المساهمات : 183
نقاط : 489
التصويت : 1
تاريخ التسجيل : 21/10/2010
الموقع : لغة البيان

تحليل سيميائي ليحيى بن يعمر

مُساهمة من طرف فلسطينية الهوية في الثلاثاء ديسمبر 28, 2010 9:15 am

تحليل من الأستاذ: عطية العمري

تحليل سيميائي مقترح لنص
" يحيى بن يعمر .. شجاعة في الحق "
للصف العاشر الأساسي في فلسطين / الجزء الثاني

مقدمة :
النص الذي بين أيدينا مقالة تاريخية تصور مقارعة بين الحجَّاج ويحيى بن يعمر ، ليست بالسيف، ولكنها بالحجة على الملأ من الناس ، كان فيها يحيى صاحب الحجة المفحِمة التي جعلت الحجاج يبهت ، وغاية ما قام به أن نفى يحيى إلى خراسان .
والمقالة التاريخية لون من ألوان المقالة الموضوعية ، وتعتمد على جمع الروايات والأخبار والحقائق ، وتمحيصها وتنسيقها وتفسيرها وعرضها . وللكاتب أن يتجه في كتابتها اتجاهًا موضوعيًا صِرفًا تتوارى فيه شخصيته ، وله أن يضفي عليها غلالة إنسانية رقيقة ، فيزينها بالقصص ، ويربط بين حلقات الوقائع بخياله ، حتى تخرج منها سلسلة متصلة مستمرة. ويُعنى كاتبها ـ كما في كل ألوان المقالة الموضوعية ـ بوضع تصميم وخطة لما يكتب . وخطة المقالة هي أسلوبها من حيث التقسيم والترتيب ؛ لتكون قضايا المقالة مترابطة ، بحيث تكون كل قضية نتيجة لما قبلها ، مقدمة لما بعدها ، حتى تنتهي جميعًا إلى الغاية المقصودة ، وهذه الخطة تقوم على المقدمة والعرض والخاتمة .
والنص للدكتور محمد رجب البيومي ، وهو باحث عربي من مصر ، سخيُّ العطاء ، ولد عام 1923 م ، وتلقَّى تعليمه في جامعة الأزهر ، وتدفقت بحوثه ومقالاته عبر الكثير من كبريات المجلات المصرية والعربية . حصل على جوائز كثيرة من مجمع اللغة العربية ، والمجلس الأعلى للفنون والآداب بمصر ، وهو عضو مجمع البحوث الإسلامية ، ورئيس تحرير مجلة الأزهر المصرية . له ديوان شعر مطبوع بعنوان : " صدى الأيام " ، وله مسرحيات شعرية ، وهو ما فتئ يحاور ويحاضر ، ويكتب عما يكابد .
1 ـ سيميائية العنوان :
لو نظرنا إلى عنوان النص لوجدناه يتحدث عن " يحيى بن يعمر " ، وهو أحد التابعين، عاش في زمن الدولة الأموية ، وبالذات أيام حكم الحجَّاج في الكوفة باعتباره أحد ولاة الدولة الأموية . ولكن النص لا يتناول جميع جوانب حياة يحيى بن يعمر ؛ ولذلك فقد حدد العنوان جانبًا واحدًا من حياته ، وهو جانب الشجاعة ، ولكنها ليست شجاعة في ميدان المعركة ، إنما هي شجاعة في ميدان قول الحق أمام سلطان جائر . إذن فقد جاء عنوان النص ليحدد بالضبط مضمون النص وفكرته العامة . وعند دراستنا للنص كاملاً لا نجده يخرج عن هذا النطاق .
ويمكن ملاحظة بعض الأمور على هذا العنوان ، منها :
1 ـ يتحدث العنوان عن الشجاعة في الحق ، وكأنه يطلب منا أن لا نخشى في الله لومة لائم ، وأن نقول كلمة الحق في وجه الطغاة المتجبرين ـ وما أكثرهم في هذا الزمان ـ وأن نكشف أخطاءهم وألاعيبهم ، ولكن بالمنطق والحجة الساطعة المفحِمة إ مما يجعل موقف هؤلاء الطغاة ضعيفًا أمام الشعوب .
2 ـ إن يحيى بن يعمر شخصية حقيقية ، ولكن اختيار هذا الاسم بالذات ليكون عنوانًا وشخصية مركزية في النص ـ بالرغم من أن تاريخنا مليء بقصص الشجاعة في الحق ـ له دلالة خاصة ، فهو يحيى (يحيا) رغم شجاعته في الحق ، فلم يستطع الحجاج قتله ، وبقي حيًا ؛ وفي هذا حث لنا على الشجاعة في قول الحق ، دون خوف من الموت ؛ فإن الموت والحياة بيد الله وحده . ثم إن يحيى هو " ابن يعمر " ، فشجاعته كانت نتيجتها العمار لا الخراب ، فقد كان من نتائجها أن ألغى الحجاج قراره بمعاقبة من يقول إن الحسن والحسين من ذرية رسول الله صلى الله عليه وسلم . كما أن اسم " يحيى بن يعمر " من الأسماء التي تأتي علو وزن الفعل المضارع الذي من دلالاته الاستمرار ، فالحياة والإعمار مستمران بفضل شجاعة هذا التابعي العظيم ، وربما لو أنه لم يقم بقول الحق في وجه الحجاج لكان الموت والقتل وخراب البيوت من نصيب الكثيرين ممن يثبت أنهم يحبون الحسن والحسين .
2 ـ سيميائية الصور :
وردت صورتان مصاحبتان للنص ، جاءتا في الصفحتين الثانية والثالثة من النص البالغ طوله أربع صفحات بالإضافة إلى صفحة المقدمة .
أما الصورة الأولى فهي ـ كما يبدو ـ للحجاج يقف مزهوًّا ، رافعًا رأسه في كِبْرٍ وخُيلاء ، لا يمكن لمن يرى هذه الصورة إلا أن يحكم بأنها صورة لإنسانٍ متكبرٍ متغطرس ، فإذا عرفنا أنها صورة لحاكمٍ أو والٍ ، عرفنا أنه لا بد أن يكون ظالمًا متسلطًا على شعبه .
وأما الصورة الثانية فهي نفس الصورة السابقة ، ولكن يقف إلى جانبها إنسان ضعيف الجسم ، رث الثياب ، ينظر إلى الحجاج في خوفٍ شديد ، فقد فتح فمه وعينيه ، ووضع يده على رأسه ، تتخيله حين تنظر إليه أنه يرتعد خوفًا ؛ ولذلك فإننا بالتأكيد نحكم أنه ليس يحيى بن يعمر ، فمن كان شجاعًا في قول الحق ، فإن ملامح الشجاعة تبدو واضحةً عليه ، ولكن ربما هي صورة لواحد من عامة الشعب ؛ ليدلل ذلك على مدى الرعب الذي يصيب من يقف أمام الحجاج ، وبالتالي فإنه يريد أن يصور لنا مدى بطش الحجاج بأفراد شعبه ورعيته ، وهو دليل على مدى شجاعة يحيى بن يعمر ؛ لأنه لم يجهر بالحق في وجه أي حاكم ، وإنما في وجه حاكم ترتعد فرائص من يقف أمامه ، ولكن هذا الحاكم الظالم لم يستطع أن يفعل شيئًا ذا بال في إنسانٍ كشف عيوبه وحججه الباطلة أمام الملأ ، فلا نامت أعين الجبناء .
3 ـ سيميائية البناء الداخلي للشخصيات :
يدور النص حول شخصيتين محوريتين ، هما : يحيى بن يعمر ، والحجاج بن يوسف الثقفي ، وهناك الشخص الذي أراد أن يمدح الحجاج حين أفحمته حجة يحيى بن يعمر . أما شخصية الحسين بن علي فكانت مجرد مادة للمناظرة بين يحيى والحجاج ، فهو قد استشهد منذ مدة . كذلك هناك الشخصية الجماعية متمثلة في الذين أحبوا الحسين ولكنهم لم يستطيعوا التصريح بهذا الحب خوفًا من بطش الحجاج.
أ ـ أما يحيى بن يعمر فكان يتصف بما يلي : كان من المتضلعين من علوم اللغة والشريعة ، ومن أفاضل التابعين ، وشارك مشاركة مثمرة في غرس بذور النحو مع أبي الأسود الدؤلي ، ثم إنه كان كاتبًا لا يتلقى العلم مشافهةً فحسب ، بل يدون ويسجل ، كما أنه المخترع الأول لنقط الحروف بالاشتراك مع ناصر بن عاصم الليثي ، وله آراء كثيرة جدًا في الفقه والتفسير والحديث ، كما اتصف بالشجاعة الأدبية في الحق ، والجرأة الخلقية في مواجهة الطغيان .
ومن مجمل هذه الصفات يمكن إبراز الملاحظات التالية :
1- يجب أن يؤثِّر العلم في سلوك صاحبه ؛ فكل هذه العلوم التي برع فيها يحيى بن يعمر كانت دافعًا له لأن يسعى إلى الإصلاح وتصحيح الخطأ ، ولو كان في ذلك تعريض نفسه للخطر .
2- إن إيراد هذه الصفات العلمية ليحيى بن يعمر ، ثم ذِكر أنه قارع الحجاج بالحجة والبرهان ، وتحداه ، لهو إشارة إلى الواجب الملقى على عاتق العلماء والمثقفين في بيان الحق وعدم السكوت على الباطل . وكما قال الإمام أحمد بن حنبل : " إذا سكت العالِم ، وجَهِلَ الجاهل ، فمتى يتبين الحق ؟! " .
3- في إيراد هذه الصفات إشارة خفية إلى ذم من يمكن أن نسميهم " علماء السلطان " الذين لا يستخدمون علمهم إلا لتبرير أخطاء الحاكم ، أو تزيين ما يفعله الحاكم في عيون الشعب . ولكنهم لو كانوا كيحيى بن يعمر لكان خيرًا لهم في الدنيا والآخرة .
ب ـ أما الحجاج بن يوسف الثقفي ، فقد كان من أكثر الشخصيات التاريخية إثارةً للجدل ؛ فقد اتصف بالعديد من الصفات الإيجابية ، إلى جانب العديد من الصفات السلبية :
ـ فمن صفاته الإيجابية أنه كان رجلَ دولةٍ قويًا ، اتصف بالفصاحة والذكاء والحزم ، وأصلح النقد ، واعتنى بمشاريع الري ، وفتح بلدانًا كثيرة ، حتى أن خيوله وطئت بلاد السند والهند .
ـ ومن صفاته السلبية : القسوةُ ، وأخْذُ مناوئيه بالشبهات ، وإطلاقه العنان للسيف ، وقتله ابن حواري رسول الله عبد الله بن الزبير ، وسعيد بن جبير وهو من خيرة التابعين ، بالإضافة إلى قتل خلقٍ كثير .
ولكن الكاتب قد ركَّز على مقالته التاريخية هذه على الصفات السلبية ، وخاصة بطشه بمخالفيه ، وخاصةً من يقول إن الحسن والحسين من ذرية رسول الله صلى الله عليه وسلم ؛ لأن هذه المخالفة هي محور شجاعة يحيى بن يعمر ،وصدعِهِ بالحق في وجه الظالم .
ومن مجمل ما ذُكر من صفات الحجاح في النص ومقدمته ( بين يدي النص ) يمكن إبراز الملاحظات التالية :
1- إذا اتصف الحاكم أو القائد أو الزعيم بصفات حسنة وأخرى سيئة ، فإن صفاته الحسنة ليست حجة للسكوت على أخطائه ، وخاصةً إذا كان فيها ظلم للرعية .
2- يجب أن يكون الحاكم أو الزعيم رحيمًا برعيته ، وقدوتنا في ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم الذي قال له ربه في القرآن الكريم : " فبما رحمةٍ لنتَ لهم ، ولو كنتَ فظًّا غليظ القلب لانفضّوا من حولك " .
4 ـ سيميائية البناء الخارجي للشخصيات :
لم يرِدْ في النص أية ملامح خارجية لشخصيات النص ، اللهم إلا شكل الحجاج عند مناظرته ليحيى بن يعمر ، حيث بدا "كالح الوجه ، مقطب الجبين" دليلاً على اهتمامه بهذه المناظرة أيما اهتمام ، وعلى خشيته أن تكون نتيجة المناظرة في غير صالحه ، وهو ما حدث بالفعل .
5 ـ سيميائية الزمان والمكان :
زمان النص هو عصر الدولة الأموية ، وعلى وجه الخصوص زمن الحجاج بن يوسف الثقفي عندما كان واليًا على الكوفة .. وهذا الزمن له دلالاته الخاصة ، فهو زمن القهر والظلم والقسوة وتكميم الأفواه . واختيار الكاتب لهذا الزمان بالذات ربما لأنه يشبه إلى حد كبير الوقت الحاضر الذي نعيشه ، حيث لا يجرؤ أحد ـ إلا من رحم ربي ـ أن يقول للظالم : كفى ظلمًا ، واحكم في رعيتك بما يُرضي الله. فهو دعوة للعلماء والمفكرين الذين يعلمون الحق ولا يجرؤون على التصريح به ، أن يقولوا الحق ويبينوه للناس ، ولا يخشوا في الله لومة لائم ، فلا خوف من سلطان جائر ،فهذا يحيى بن يعمر قد واجه من هو أشد ظلمةً وقسوة من هؤلاء الظلمة الجبابرة ، فنصره الله عليه ولم يتعرض لسوء .
أما المكان فهو مدينة الكوفة ، وما أدراك ما مدينة الكوفة ؟! إنها مدينة العلم والأدب من ناحية ، وهي بمثابة العاصمة الثانية للدولة الأموية ( حيث كانت دمشق عاصمة الدولة الأموية ) . فهذه المدينة فيها ما لذَّ وطاب من مباهج الدنيا وزينتها وزخرفها وخيراتها التي يسعى الكثيرون إلى التمتع بها . إن هذه المدينة تجمع بين متناقضين : طلب العلم والسعي لمرضاة الله ، وكذلك الاستغراق في الملذات والنعيم الدنيوي . وربما كان الكاتب ـ وهو المصري الجنسية ـ يشير إلى مدينة القاهرة ، التي فيها الأزهر الشريف والجامعات المصرية الشهيرة ، وكذلك فيها كل مباهج الحياة وزخارفها ، وفيها الأماكن التي يقصدها الناس من جميع بقاع العالم للتمتع والترفيه . إن اختيار الكاتب لهذا المكان بالذات فيه دعوة للعلماء والمفكرين والمصلحين أن يقتدوا بيحيى بن يعمر ، الذي لم يلتفت إلا لقول الحق وبيانه للناس ، ولم تستطع الدنيا بمباهجها أن تسيطر على قلبه .
6 ـ سيميائية الأحداث :
تبدأ الأحداث بانتشار حب أهل الكوفة للحسين بن علي ، وتضايُق الحجّاج من هذا الحب ، ومقاومته له بكل وسيلة . وهذا حال الكثير من الحكام الظلمة ، فهم يكرهون أن يلتفَّ الشعب حول أحد غيرهم ، حتى لو كان ميتًا ؛ لأنهم يعتبرون ذلك كرهًا للحاكم ، ومناهضة لهم بشكل غير مباشر .
ماذا يفعل الحجّاج لكي يبدد حب أهل الكوفة للحسين بن علي ؟ لقد قام بعدة خطوات هي :
1- عرف سبب هذا الحب ، وهو قرابة الحسين من رسول الله صلى الله عليه وسلم ؛ فحاول أن ينفي أن يكون الحسين من ذرية محمد بن عبد الله صلى الله عليه وسلم ؛ لأن انتساب الحسين لفاطمة لا يغير من الأمر شيئًا ، فالأب هو المعتبر في النسب دون الأم على قول من قال :
بنونا بنو أبنائنا ، وبناتُنا بنوهنَّ أبناء الرجال الأباعدِ
2- استخدم أسلوب الخُطَب المطولة . وما أكثر ما يحاول الحكام الظلمة استخدام الخُطَب الرنانة للتغطية على جرائمهم ، وتقديم الكلام المعسول لشعوبهم دون عمل إيجابي نحوهم . وقد تحمل هذه الخُطَب التحذير المبطن للمخالفين ولمن تحدثه نفسه بالخروج عليه .
3- استخدم الشدة بحق من يَثْبُتَ أنه يخالف الحجّاج ، سجنًا وتشريدًا . وهذا ديدن كل الظلمة على مرِّ الزمان ، حيث تمتلئ السجون بالمخالفين ، وتُستَخدَم بحقهم كل ألوان التعذيب والقسوة .
4- بثَّ العيون والجواسيس وكاتبي التقارير ليأتوه بأخبار من يهمس بمخالفة الحجاج . وهذا الأمر متعارف عليه أيضًا في كل زمان ومكان يوجد فيه حكام ظلمة .
إن هذه الخطوات الأربع التي اتخذها الحجّاج تكاد أن تكون هي نفسها التي يقوم بها الحكام الظلمة في الماضي والحاضر وفي كل وقت وحين .
بعد ذلك وصلت للحجاج أنباء بأن يحيى بن يعمر سئل عن الحسين وانتمائه لمحمد صلى الله عليه وسلم فأجاب في المسجد الجامع : إن الحسن والحسين من ذرية رسول الله ، وإن الحجّاج يحكم ولا يفتي ، فإذا أفتى فعن غير عِلم واعتقاد .
مما سبق يتضح ما يلي :
1- إن يحيى بن يعمر قد تحدَّى الحجاج صراحةً .
2- وأنه قد أعلن تحديه له على ملأ من الناس ، بل وفي المسجد الجامع ، حيث اعتبر الحجاج ذلك تحريضًا ضده .
3- إن يحيى بن يعمر قد طعن في علم الحجاج ، وقال بأنه ليس أهلاً للفتوى .
4- إن يحيى بن يعمر هو عالِمٌ جليل ، وهو مسموع الكلمة ، محترَم الرأي ، فإذا أفتى بما يعارض الحجاج فقد تمكَّن من قلوب الناس ، وذهبت دعوى الحجاج في الحسين أباديد .
لقد أدرك الحجاج ـ وهو الداهية ـ أنه لا يستطيع أن يستعمل مع يحيى بن يعمر القسوة والشدة ، وإلا فإن ذلك سيؤلِّب الجماهير عليه ، فماذا يفعل ؟
1- قرر أن يطلب من يحيى بن يعمر أن يأتي بنص واضح من القرآن الكريم يؤيد دعواه .
2- عقد مجلسًا حاشدًا من أعوانه ووجهاء الكوفة حتى يشهدوا عجز يحيى بن يعمر في إثبات صحة دعواه ـ كما قدَّر الحجَّاج ـ .
3- حرص على أن يحضر المجلس شيعة يحيى بن يعمر ومقدِّرو علمه وفضله ؛ لينكشف أمامهم في المعمعة ، فيضيع ما يُنسب إليه من علم وثبات .
4- أرسل من يُحضر يحيى ليتجرع كأس الهزيمة على انكسار .
إن كل هذه الأمور تدل على عدة أمور من بينها :
1- إن الحجاج كان يحسِب ليحيى بن يعمر أكبر الحسابات . وهكذا فإن الحكام الظلمة يحسبون حسابًا للعلماء العاملين ، فلا يجب أن يخشى العلماء بطش الحكام .
2- إن الحجاج لم يجرؤ على استخدام الشدة بحق يحيى بن يعمر ، فليس أمامه إلا محاولة التغلب عليه وقهره بالحجة المفحمة ـ بحسب رأيه ـ .
تبدأ المناظرة ؛ فيسأل الحجاج يحيى بن يعمر عن صلة الحسين برسول الله صلى الله عليه وسلم ، فيرد يحيى في كبرياء : الحسين والحسن من ذرية رسول الله صلى الله عليه وسلم وإنْ غضِبَ الحجّاج . فيتنمَّر الحجاج متحفزًا ويصيح : ألَدَيكَ دليلٌ من كتاب الله ؟ فيرد يحيى في ثقة بالغة : معي الدليل من القرآن ، فيستغرب الحجاج ويتهكم ، ويؤكد أنه قرأ القرآن مئات المرات فما وجد فيه أن الحسن والحسين من ذرية رسول الله . ولكن يحيى بن يعمر يقرأ على الحاضرين الآيات ( 83 ـ 85 ) من سورة الأنعام، وفيها إثبات أن عيسى بن مريم من ذرية إبراهيم ، وهنا يلتفت يحيى بن يعمر إلى الجمهور قائلاً : أيكون عيسى بن مريم من ذرية إبراهيم بنص القرآن ، ولا يكون الحسين من ذرية رسول الله ، وبينهما من القرابة الدانية أكثر مما بين عيسى وإبراهيم ؟
مما سبق يمكن استنتاج ما يلي :
1- كان يحيى بن يعمر يردُّ على الحجاج في كبرياء ، وفي ثقة بالغة ، فلم يضعف أو يرتجف أمام الحجاج . وهذا درس للعلماء في أن لا يخشوا إلا الله ، مصداقًا لقوله تعالى : " الذين يبلِّغون رسالات الله ولا يخشونه ولا يخشون أحدًا إلا الله " .
2- إن يحيى بن يعمر كان على درجة من العلم والذكاء جعلته يستطيع استنباط الدليل على صحة رأيه من القرآن الكريم ، بالرغم من أن غيره ـ ومنهم الحجّاج ـ لم يصلوا إلى هذا الاستنباط . وهذا دليل على أن العلم ليس كلمة تقال ، بل العالِم هو من يستطيع استنباط ما لم يستطع غيره استنباطه ، وليس العلم ـ بالضرورة ـ مرتبط بالشهادات ؛ فهناك من يحمل شهادة ، وهناك من تحمله الشهادة .
لقد جاء الدليل صاعقًا قاصمًا ، وقد اعتصم الحجَّاج بذكائه ليسعفه بردٍّ مضلِّل فما استطاع ، وبدت الفرحة والشماتة في عيون الجالسين ؛ فزادت من ضيق الحجّاج وانبهاره ، وفي هذا دليل على كره الناس للحجّاج ولكل ظالم مستبد . ثم رأى الحجاج أن يتراجع في موقفٍ ضائق يضغط عليه بآصاره ؛ فابتسم في تصنُّع وقال : اجلس يا يحيى ، فقد فاتني هذا الاستنباط .
إن ذلك يشير إلى عجز الحجّاج وفشله في مسعاه لإحراج يحيى بن يعمر ، فهل يستسلم ؟ هل يصرف القوم وهو في حالة فشل ؟ كلا .. لأن كل ظالم مستبد يحرص على أن لا يظهر بمظهر العاجز أمام الجماهير . هنا لجأ الحجّاج إلى ما اعتقد أنه يجيده ، وهو الفصاحة وعدم اللحن في القرآن الكريم ، فسأل يحيى بن يعمر سؤال الواثق من نفسه : أتجدني ألحن في قولي يا بن يعمر ؟ وهنا يفحمه يحيى بن يعمر مرةً أخرى بأنه يلحن ، حتى في القرآن الكريم ، وذلك حين رفع المنصوب في كلمة "أَحَبَّ " الواردة في الآية 24 من سورة التوبة ؛ فتغير وجه الرجل وحدثته نفسه أن يهم بصاحبه ، ولكن انهياره النفسي أورثه ترددًا لا عهد له به . وهكذا فإن الحق حين يصدع به صاحبه فإنه يلجم كل ظالم مستبد .
وهنا يبرز أحد المطبلين للسلطان ، فيحاول إنقاذ الموقف بتغيير مجرى الحديث ، فأخذ يسأل الحجّاج عن مدينة واسط التي شيدها باذلاًَ جهده الجاهد في التعمير والتثمير ، وكان الحجاج قد ارتاح إلى هذا الانتقال المنقِذ ، فأخذ يسهب فيما فعله وأنفقه على بناء هذه المدينة ، ثم رأى أن يصانع يحيى ؛ ليظهر أمام الناس بأن هزيمته لم تنل من نفسه ، فقال ليحيى : لم تذكر لنا رأيك في مدينة واسط يا يحيى ! فسكت الرجل ولم يردّ ، وتوجهت العيون إليه ، فزادت من حرج الحجّاج وتورطه ، فأعاد عليه السؤال مغيظًا ، فقال يحيى : أيها الأمير ، ماذا أقول عن واسط ، وقد شيَّدْتَها من غير مالك ، وسيسكنها أهلك ؟!
إن هذا المشهد يشير إلى عدة أمور يجب أن لا تفوتنا ، ومنها :
1 ـ كل حاكم ظالم له مجموعة من المنتفعين الذين يزينون أعماله للناس وينقذونه في المواقف الحرجة ، فيجب كشف ألاعيبهم ؛ لأن الحاكم الظالم يعتمد عليهم اعتمادًا كبيرًا .
2 ـ إن الحاكم الظالم لا يستسلم بسهولة أما مناوئيه ، ولكن على العلماء والمصلحين أن لا ييأسوا من الاستمرار في قول كلمة الحق في سبيل الإصلاح حتى يحققوا أهدافهم .
3 ـ إن السكوت في بعض المواقف أبلغ من الكلام ، كأن يطلب منه الحاكم الظالم أن يبدي رأيه في أمرٍ ما ، فيرفض الكلام ، كما فعل يحيى بن يعمر .
4 ـ إن سكوت العالم في مثل هذه المواقف ليس ناتجًا عن ضعف فيه أو في حجته ، وإنما ليغيظ هذا الحاكم الظالم أو يحرجه أمام شعبه .
نفَذَ صبر الحجّاج ، وتلهَّب الجمر في عينيه ، ثم صاح : ما حملك على هذا ؟ فقال يحيى في اعتداد : ما أخذ الله ـ تعالى ـ على العلماء في علمهم ألا يكتموا الناس حديثًا . فأطرق الحجّاج منخذلاً ، وساد صمتٌ حائر غمر المكان لحظات ، ورأى أن يقوم بعملٍ ينقذ خشيته ، فصاح بيحيى : لا تساكنِّي ببلدِ أنا فيه ، فاذهب منفيًا إلى خراسان . وعندما ذهب يحيى إلى خراسان وجد صيته الطائر يسبقه هناك ، ورأى الجميع يتحدثون بمجابهته للحجاج مكبِرين مقدِّرين ، ودنا خراساني ، فسأله في تعجُّب : ألم تخشَ سيف الحجّاج ؟! فردَّ في إيمان الواثق : لقد ملأتني خشية الله ، فلم تَدَعْ مكانًا لخشية إنسان .
مما سبق يمكن استنتاج الأمور التالية :
1 ـ يجب على العلماء عدم كتمان علمهم خوفًا من بطش السلطان .
2 ـ إن نفي العلماء والمصلحين ، التي يعتقد الحاكم الظالم أنه يخدمه ويخدم مصالحه ، قد يكون فيه الخير الكثير للعالم والمصلح ودعوته وانتشارها .
3 ـ من خشي الله حق الخشية ، لا يخشَ أحدًا غيره ، وأحق الناس بهذا الأمر هم العلماء والمفكرون والمصلحون .
7 ـ سيميائية بعض العبارات الواردة في النص :
سنناقش فيما يلي الدلالات والإشارات المحتملة لبعض العبارات الواردة في النص كنموذج ، ويمكن لمن أراد الاستزادة أن يبحث في سيميائية عبارات أخرى في ضوء الفهم العام والتفصيلي للنص :
1 ـ وقد شاء له القدر أن يُبتلَى بالحجّاج ، أو يُبتَلَى الحجّاج به : فيه إشارة على أن طريق الإصلاح ليست مفروشة بالورود والرياحين ، بل هي طريق صعبة وشاقة ، وفيها من الابتلاءات ما يمحِّص العلماء والمفكرين والمصلحين ؛ ليميز الخبيث من الطيب ، والصادق من الكاذب .
2 ـ فأجاب في المسجد الجامع : "إن الحسن والحسين من ذرية الرسول " : في ذلك إشارة إلى أن على العلماء والمصلحين أن ينشروا ما ينادون به ليصل إلى أكبر عدد ممكن من أفراد الشعب ، ولا يقتصروا على بعض الناس الذين لا يحتمل أن يبلغوا الحاكم الظالم ؛ لأن العالم أو المصلح يجب أن لا يخشى في قول الحق لومة لائم .
3 ـ ثم هو ـ أي يحيى ـ يناصر في اعتدال ، فلا يوازن بين الصحابة لينصر فريقًا على فريق : في ذلك إشارة إلى أن العالِم أو المصلح يجب أن يكون هدفه الإصلاح ونصرة الحق ابتغاء مرضاة الله ، وأن لا يكون هدفه نصرة فريق أو جماعة أو فئة .
4 ـ الحسين والحسن من ذرية رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وإنْ غَضِبَ الحجّاج : في ذلك إشارة إلى أن العالِم أو المصلح يجب أن لا يحسب حسابًا لغضب السلطان أو الحاكم عندما يصدع بدعوته أو بقول الحق وبيانه للناس .
5 ـ فيتنمر الحجاج متحفزًا : دليل على شدة غضبه لدرجة أنه كاد يفتك بيحيى كالنمر الذي يتحفز للانقضاض على فريسته ، وكذلك كل حاكم ظالم لا يتورع عن محاولة البطش بمخالفيه .
6 ـ فيتطلع يحيى إلى الحاضرين ، ثم يصيح بصوت مجلجل ، وإيمانٍ وثّاب : فيه إشارة إلى أن هدف المصلح يهتم بأن تبلغ رسالته إلى الناس بالدرجة الأولى قبل أن تصل إلى الحاكم الظالم .
7 ـ وبدت الفرحة والشماتة في عيون الجالسين : دليل على العلاقة السيئة بين الحاكم الظالم وأفراد شعبه ، وهذا لن يكون في صالحه بحالٍ من الأحوال .


تحليل سيميائي مقترح لنص
بردة كعب بن زهير
للصف العاشر الأساسي في فلسطين / الجزء الثاني

مقدمة :
عندما بُعث الرسول صلى الله عليه وسلم ، وأخذ يدعو إلى الإسلام ، انطلق كعب بن زهير بن أبي سلمى ، وأخوه بُجَير ، يستطلعان أمر هذا الدين الجديد ، حتى بلغا " أبرُقَ العزّاف " ، وهو ماء في الطريق إلى المدينة ، فقال كعبٌ لبُجَير : القَ الرجل ، فأنا مقيم ٌ لك ها هنا ، وانظر ما يقول لك ، فقدمَ بجير على الرسول - صلى الله عليه وسلم - فسمع منه وأسلم . فبلغ ذلك كعبًا ، وكان نَدِمَ على رغبته في الإسلام ، فهجا الرسولَ - عليه السلام - ونال من أعراض المسلمين ، فلما بلغ ذلك الرسولَ - عليه السلام – أهدر دمه . فكتب بجيرٌ إليه يخبره الخبر . وعندما فتح المسلمون مكة ، كتب بجير إلى أخيه يأمره أن يأتي إلى الرسول – عليه السلام – ويبايعه على الإسلام ، فأقبل على الرسول بعد أن ضاقت عليه الأرض بما رَحُبَت ، وكان ملثمًا بعمامته ، فقال : يا رسولَ الله ، هذا رجلٌ يبايعك على الإسلام ، فبسط – عليه السلام – يده ، فحسر كعبٌ عن وجهه ، وقال : هذا مكان العائذ بك يا رسولَ الله ، اأنا كعب بن زهير ، فَتَجَهَّمَتْهُ الأنصار ، وأغلظت له ؛ لِما كان منه ، وأرادت الفتك به ، وأَحَبَّ المهاجرون أن يسلم ، ويُؤَمِّنَهُ الرسولُ – عليه السلام – فأمَّنَهُ ، فأنشد هذه القصيدة ، فكساه الرسولُ بُردةً ، فسُمِّيَت هذه القصيدة ( البُردة ) .
وهذه القصيدة من شعر المخضرمين ، وهم الشعراء الذين عاشوا في الجاهلية والإسلام ، وقد افتتحها الشاعر بالغزَل ، جريًا على عادة شعراء الجاهلية ، ثم تحدَّث عن الناقة التي حمَلَتهُ إلى المحبوبة ، ثم جاء على الغرض الرئيس الذي قال من أجله قصيدته ، فاعتذر إلى الرسول الكريم ، واستعطفه ، بعد أن أظهر خوفه وجزعه ، ومدح الرسول – عليه السلام - ، ثم مدح المهاجرين الذين رغبوا في إسلامه .
وكعب بن زهير ، شاعر مخضرم ، شهد الجاهلية والإسلام ، وهو ابن الشاعر الجاهلي الحكيم زهير بن أبي سلمى ، توفي سنة ستٍّ وخمسين للهجرة .
1 ـ سيميائية العنوان :
يتحدث العنوان عن بُردة ، وهي الثوب المخطط ، وهذه البردة كانت أصلاً للرسول – صلى الله عليه وسلم – ولكنه كساها كعب بن زهير ؛ فسميت : " بردة كعب بن زهير " . ولكن لماذا اختيرت هذه البردة لتكون عنوانًا للنص ؟! الواقع أن هذه البردة كان لها شأن عظيم في حياة كعب ؛ لأنها حولت حياته من إنسان مهدور الدم ، إلى إنسان معزز مكرَّم ، قد بلغ من رضا الرسول – صلى الله عليه وسلم – عنه أن كساه بردته . فهذه البردة تحمل معاني الرضا والأمن والأمان والسلامة والإسلام ، بعد الخوف والشدة وإهدار الدم وضيق الأرض بما رحُبَت بسبب ما قام به كعب من هجاء للرسول - صلى الله عليه وسلم – ونَيله من أعراض المسلمين .
2 ـ سيميائية الأسماء :
استهل الشاعر قصيدته بذِكر " سعاد " ، وأغلب الظن أن " سعاد " ليست شخصية حقيقية ؛ فلقد سمَّى الشاعر الجاهلي له محبوبةً رمزًا لغويًا ، واسمًا فنيًا ، وعنوانًا موضوعيًا ( عبد الجليل ، 1982 ، 51 ) . ومن الملاحظ أن اسم " سعاد " لم يستعمله الشعراء الجاهليون إلا في المدح . فالشاعر كعب بن زهير استعمل هذا الاسم في مدح الرسول – صلى الله عليه وسلم – في هذه القصيدة . واستعمله ربيعة بن مقروم حين مدح مسعود بن سالم بن أبي سلمى بن ربيعة في قصيدته التي مطلعها :
بانت سعادُ فأمسى القلبُ معمودا وأخلَفَتْكَ ابنةُ الحُرِّ المواعيدا
واستعمله الأعشى حين مدح هوذة بن علي الحنفي في قصيدته التي مطلعها :
بانت سعادُ وأمسى حبلُها انقطعا واحتلَّت الغَمرَ فالجُدَّينِ فالفَرَعا
واستعمله الأعشى أيضًا حين مدح إياس بن قبيصة الطائي في قصيدته التي مطلعها :
بانت سعادُ وأمسى حبلُها رابا وأحدَثَ النأيُ لي شوقًا وأوصابا
حتى أن إبا نواس ، الشاعر العباسي، قد استعمله عندما مدح العباس بن عبيد الله في قصيدته التي مطلعها:
حلَّت سعادُ وأهلُها سَرِفا قومًا عدًى ، ومحلةً قذفا
فليس عبثًا أن يقف كعب بن زهير ليختار سعاد ، مستهلاً بها أبياته ، مصرحًا باسمها ، واصفًا ما وصف ـ وهو الحريص على إبعاد أية مظنة من مظان الاتهام ـ مادحًا أمام الرسول صلى الله عليه وسلم ، معتذرًا ، راجيًا الصفح والعفو ، خائفًا من الفتك به ، مختبئًا وراء كلماته ، ويصادف شعره من رسول الله رضًا ليطلب إليه أن يكشف له عن وجهه ، وما سعاد في هذا الصدد سوى رمز يهدف إلى ما يريده الرجل ، ويكشف عما يأمله المذنب ( عبد الجليل ، 1982 ، 26 ) . وسعاد هي التي لا يشقى صاحبها ، ولا يخيب طالبها بالأمل الباسم والحياة الواعدة ( عبد الجليل ، 1982 ، 163 ) .
ولكن لماذا يُستخدم هذا الاسم بالذات في القصائد التي غرضها الأساسي المديح ؟! إن من يمدح إنسانًا إنما يريد من ذلك أن ينال شيئًا من الممدوح ، سواءً أكان ذلك مالاً أو جائزةً أو رضًا أو عفوًا عن ذنب اقترفه ، فإذا حقق له الممدوح ما يريد فإنه سيكون في سعادةٍ غامرة .
فكأن كعب بن زهير يقول : أسعِدني يا رسول الله بالعفو عني ؛ فأنت الكريم القوي الشجاع ، الذي يعفو عند المقدرة ، وقد أعطاك الله القرآن الكريم ، وحولك المسلمون المهاجرون ذوو الصفات الحميدة والأخلاق الفاضلة . . . إلخ .
3 ـ سيميائية البناء الداخلي للشخصيات :
وردت في القصيدة عدة شخصيات هي على الترتيب : سعاد ، الناقة ، الوشاة ، الشاعر نفسه ، أصدقاء الشاعر ، رسول الله صلى الله عليه وسلم ، المسلمون المهاجرون .
أما سعاد فإنها تتصف بالصفات التالية : تخلف الوعد ، لا تقبل النصيحة ، تتغير كثيرًا في تعاملها، تنقض العهود . ولكن ما علاقة هذه الصفات بمدح الرسول صلى الله عليه وسلم وطلب العفو منه؟ أغلب الظن أنه يشير بهذه الصفات إلى السعادة التي يبحث عنها ؛ فقد تخيلها فتاةً يحبها اسمها سعاد، ولكنها فارقته وأخلفت وعده ، ولم تدم على حال ، وهو يتمنى أن تعود إليه ، ولا يكون ذلك إلا بعفو الرسول – صلى الله عليه وسلم – عنه . إذن فالشاعر يرمي من وراء ذكر محبوبته المفترَضة التي فارقته ، أن يستعطف النبي – صلى الله عليه وسلم – لكي يعفو عنه ، فيجعله سعيدًا .
أما الناقة فلم ترِد أوصاف معنوية لها ، حتى في النص الكامل للقصيدة .
وأما الوشاة فلم نعرف عنهم سوى أنهم قالوا له : إنك مقتولٌ لا محالة . ولعله كان يقصد بالوشاة هنا من لم يُسلموا بعد ، فهم يريدون أن يثنوه عن الذهاب للرسول ليعلن إسلامه ، وذلك بتخويفه من فتك الرسول به . وربما كان يقصد بالوشاة الأنصار الذين تجهَّموه عندما كشف عن وجهه ، وأغلظوا له ، وأرادوا الفتك به . فكأنه يقول للرسول – صلى الله عليه وسلم – : اعف ُ عني يا رسول الله ، ولا تقتلني، ولا تطع هؤلاء الذين يريدون قتلي والفتك بي .
وأما الشاعر نفسه فإنه يتصف بما يلي : لا يسمع لكلام الوشاة ، يؤمن بالقضاء والقدر ، يؤمن بأن مصير كل إنسان هو الموت ، يأمل بالعفو من رسول الله – صلى الله عليه وسلم - ، يؤمن بالقرآن الكريم، جاء تائبًا معتذرًا معلنًا إسلامه .
وأما أصدقاء الشاعر فقد تخلوا عنه ، وكل منهم ادَّعى أنه مشغول ، ولا يقدر على مساعدته . وربما قصد الشاعر من وراء ذلك أن يبين للرسول – صلى الله عليه وسلم – أن الأعداء قد حاولوا ثنيَهُ عن إعلان إسلامه ، وأن الأصدقاء قد تخلوا عنه في محنته ، فلم يبق له أمل ورجاء إلا في رسول الله أن يعفو عنه ويتجاوز عن زلته .
وأما الرسول – صلى الله عليه وسلم – فقد اختار الشاعر من صفاته : أنه شجاع ، يهابه من يقف أمامه ، وتخافه سباع الجو وسباع البر ، وكلامه فاصل حاسم لا يُرَدُّ ، وهو نورٌ يهتدي به الناس . وذِكْرُ الشاعر لهذه الصفات بالذات يحمل في طياته حثًا للرسول – صلى الله عليه وسلم – على العفو عنه ؛ لأنه إن عفا عنه فإن هذا العفو ليس ناجمًا عن ضعف وخَوَر ، إنما هو العفو عند المقدرة ، ثم إن الرسول لم يأتِ للانتقام وسفك الدماء ، إنما جاء نورًا وهاديًا للعالمين ، فهذا الرسول بهذه الصفات حريٌّ به أن يعفو عمَّن جاءه تائبًا نادمًا على ما بَدَرَ منه .
وأما المهاجرون من قريش فقد خصهم الشاعر بمدحه لأنهم أحَبّوا أن يُسلِم ، وحثوا الرسول على أن يؤمِّنَه ويعفو عنه . فمن صفاتهم التي ذكرها الشاعر : لم تكن هجرتهم عن ضعف ، أو قلة سلاح ، أو خوف من الأعداء ، ولا حُمقًا وانعزالاً عن الناس . وهم أنوفهم مرفوعة إلى أعلى عزةً وفخارًا ، وهم أبطال في المعارك ، ولكنهم لا يفرحون كثيرًا إذا انتصروا ، ولا يجزعون إذا هُزِموا ، وهم شجعان لا يفرون من المعركة .


4 ـ سيمياء البناء الخارجي للشخصيات :
وردت في القصيدة أوصاف خارجية لكل من : سعاد ، والناقة التي حملتها إلى البلاد التي ذهبت إليها بعد رحيلها من بلد الشاعر .
أما سعاد فمن ملامحها الخارجية التي وردت في القصيدة : أنها في صوتها غُنَّة ، تنظر خافضةً عينيها ، وهي مكحولة العينين ، ضامرة البطن ، رقيقة الخاصرة ، كبيرة العجز ، متوسطة الطول ، أسنانها برّاقة ناصعة البياض . وما دام الشاعر يقصد بسعاد سعادته المفقودة التي يتمنى رجوعها ، فإنه يشير هنا كم هي جميلة تلك السعادة التي ستحل عليه إن عفا عنه رسول الله صلى الله عليه وسلم .
وأما الناقة التي حملت محبوبته سعاد ، ففيها كل الصفات الجميلة . ومن هذه الصفات التي نستنبطها من النص الكامل للقصيدة : عتيق ( كريمة ) ، نجيبة ( قوية خفيفة ) ، مرسال ( سريعة ) ، عُذافرة ( صلبة عظيمة ) ، قوية على السير ، كثيرة العرق ، حادة البصر ، ضخمة العنق ، غلباء (غليظة العنق ) ، وجناء ( عظيمة الوجنتين ) ، عُلكوم ( شديدة ) ، مُذكَّرة ( عظيمة الخلقة تشبه الذُّكران من الأباعر ) ، واسعة الجنبين ، طويلة العنق ، جلدها في غاية النعومة والملاسة ، مداخلة النسَب في الكرم ، مهجَّنة ( كريمة الأبوين ) ، قَوداء ( طويلة الظهر والعنق ) ، شمليل ( خفيفة سريعة ) ، عَيرانة ( تشبه الحمار الوحشي في سرعته ونشاطه وصلابته ) ، ممتلئة باللحم من كل الجوانب ، ذيلها غليظ طويل كثير الشَّعَر ، قَنواء ( محدودبة الأنف ) ، يظهر للعارف بالإبل الكرام كرمٌ ظاهر في أذنيها لحسنهما وطولهما، في خديها سهولة وليونة ، غاية في الإسراع في سيرها ، أعصاب قوائمها شديدة كالرماح السُّمر .
هذه الصفات كلها صفات مدح ، فلماذا أسهب الشاعر في مدح هذه الناقة بالرغم من أنها ساعدت في بُعد محبوبته سعاد
5 ـ سيميائية الزمان والمكان :
حدثت أحداث هذا النص بعد فتح مكة ، حيث كان المسلمون في أوج قوتهم وعزتهم ، فليس أمام كعب بن زهير إلا أن يندم عما بدر منه بحق الرسول – صلى الله عليه وسلم – والمسلمين ، ويطلب العفو من رسول الله ، كما ليس أمامه إلا أن يعترف بأن الإسلام هو الدين الحق ، وأنه لا أحد يستطيع أن يقف في وجهه .
أما الزمن الذي حدثت فيه الأحداث المفترضة المذكورة في القصيدة ، فإنه يشمل :
1 ـ فترة ما قبل رحيل محبوبته سعاد ، حيث كان يعيش في أمن واستقرار ، وهي تشير إلى الفترة التي عاشها الشاعر قبل أن يهدر الرسول - صلى الله عليه وسلم – دمه ، حيث كان يعيش في أمن واطمئنان .
2 ـ فترة رحيل محبوبته سعاد ، حيث المعاناة والآلام النفسية التي قاساها ، وهي تشير إلى الفترة التي عاشها منذ أن أُهدِرَ دمه حتى قدومه على رسول الله – صلى الله عليه وسلم - ، وما كان فيها من معاناة.
3 ـ الفترة التي ألقى فيها قصيدته على رسول الله – صلى الله عليه وسلم – وفيها يتحدث الشاعر بصريح العبارة - دون إشارة أو تلميح – عن أمله في أن يعفو رسول الله عنه ؛ حتى تعود إليه سعادته .
أما المكان فقد ألقى الشاعر قصيدته بحضرة الرسول - صلى الله عليه وسلم - ، وأغلب الظن أن ذلك في المسجد النبوي ، الذي هو في المدينة المنورة عاصمة الدولة الإسلامية آنذاك ، حيث القوة والعزة والمنعة . وبذلك نجد أن الزمان والمكان يتعاضدان في إبراز الظرف الذي حدثت فيه الدواعي التي دعت إلى قول هذه القصيدة ، وما كان يطمح إليه الشاعر من إلقائها .
وأما الأحداث التي ذكرها الشاعر في قصيدته ، فقد حدثت في عدة أماكن ، وكل مكان منها له دلالاته وإيحاءاته . فالمكان الأول هو مكان إقامة الشاعر ، فهذا المكان يشير إلى ما كان عليه الشاعر من أمن واطمئنان وسعادة ، حيث كانت محبوبته سعاد ( التي تشير إلى السعادة ) قريبة منه ، يسعد بلقائها والقرب منها . أما المكان الثاني فهو الطريق الذي سلكته سعاد عندما غادرت الديار لتفارقه ، فهذا المكان يشير إلا المرحلة الانتقالية التي عاشها منذ إهدار دمه حتى قدومه على رسول الله – صلى الله عليه وسلم- ، حيث عانى ماعانى من الشدة والخوف والقلق وعدم الاستقرار . أما المكان الثالث فهو مكان حقيقي وليس مفترضًا ، وهو المكان الذي يقف فيه ليُلقي قصيدته ، وهذا المكان – كما سبق أن قلنا – هو المسجد النبوي في المدينة المنورة .

6 ـ سيميائية الأحداث الواردة في النص :
تبدأ الأحداث بفراق محبوبته سعاد ، ورحيلها من دياره إلى ديار أخرى بعيدة عنه . والشاعر يشير بذلك إلى أنه كان يعيش سعيدًا آمنًا مطمئنًا ، ولكن هذه السعادة لم تدم ، بل فارقته عندما توعَّده رسول الله – صلى الله عليه وسلم – وأهدر دمه .
ثم يبدأ الشاعر بوصف محبوبته سعاد بأوصاف حسية غاية في الجمال ، ولكن صفاتها المعنوية ليست كذلك ؛ فهي تخلف الوعد ، ولا تقبل النصيحة ، وتتغير كثيرًا في معاملتها ، ولا تفي بالوعود . وكأن الشاعر يشير إلى أن سعادته كانت في ظاهرها جميلةً جذابة ، ولكنها في حقيقتها وجوهرها عكس ذلك ؛ لأنها لم تكن سعادة قائمة على الإسلام والإيمان بالرسول – صلى الله عليه وسلم - .
ثم يتحدث الشاعر عن وصول سعاد إلى بلاد بعيدة لا يمكن الوصول إليها إلا على ظهور النوق الكريمة النشيطة . وكأن الشاعر يريد أن يقول : إن عودة السعادة إليه ليس بالأمر الهين أو اليسير ، ولا يقدر عليه إلا الكريم الشجاع ( يقصد رسول الله صلى الله عليه وسلم ) . وفي ذلك ترقيق لقلب الرسول لكي يعفو عنه .
ثم يذكر الشاعر أن الوشاة خوفوه وقالوا له : إنك مقتول لا محالة ، ولكنه لم يلتفت إلى أقوالهم ؛ لأنه يؤمن بالقضاء والقدر ، وأن كل ما قدَّر الرحمن مفعول . ولعل الشاعر يقصد بالوشاة أولئك الذين لم يؤمنوا بعد ، وحاولوا أن يثنوه عن الذهاب إلى رسول الله والاعتذار إليه . وربما يقصد بالوشاة الأنصار من أهل المدينة الذين تجهموه وأغلظوا له وأرادوا الفتك به عندما اكتشفوا أمره كما يذكر الشاعر
avatar
RNEB

عدد المساهمات : 85
نقاط : 102
التصويت : 0
تاريخ التسجيل : 06/11/2010
العمر : 24

رد: تحليل سيميائي ليحيى بن يعمر

مُساهمة من طرف RNEB في الإثنين فبراير 07, 2011 11:58 am

يسلمو يا احلا معلمه
الى الامام
سلمت يمناكي

خالد "ابو لبهاء"

عدد المساهمات : 5
نقاط : 5
التصويت : 0
تاريخ التسجيل : 30/03/2011

رد: تحليل سيميائي ليحيى بن يعمر

مُساهمة من طرف خالد "ابو لبهاء" في الخميس مارس 31, 2011 6:44 am

الى االاخت فلسطينية الهوية اشكرك على الكنية التي كنيتي بها نفسك وهذا ان دل على شئ فانه يدل على مدى الانتماء الصادق لوطنك فلسطين

خالد "ابو لبهاء"

عدد المساهمات : 5
نقاط : 5
التصويت : 0
تاريخ التسجيل : 30/03/2011

اسئلة حول فن المسرحية

مُساهمة من طرف خالد "ابو لبهاء" في الخميس مارس 31, 2011 7:20 am

اسئلة حول فن المسرحية

1-وضح مفهوم المسرحية لغة وصطلاحا" ادبيا"
أ- المعنى الصطلاحي:=

ب- لغة:-

2- اين ظهر فن المسرح؟ ومتى؟
3- ما الهدف من المسرحفي تلك الفترة؟
4- مر المسرح العبي بمراحل متعددة اذكرها؟



5- اذكر بعض مشاهد المسرح عند العرب قذيما؟
6- على يد من ظهر المسرح العربي كما اجمع النقاد؟ وما المسرحية التي مثلها؟

7- يعتقد جورجي زيدان ان مصر عرفت المسرح قبل النقاش ز علل ؟


8- ما دور الفرق المسرحية في مصر اذكر بعض هذه الفرق مبينا الاعمال التي قامت بها؟

9- ما دور شوقي في المسرح العربي؟

10- اذكر بعض كتاب المسرحية في الغرب؟

11- اذكر اسباب غياب المسرح قديما عند العرب؟




12- علل ما يلي:- ا- الوسط الجغرافي وعدم الاستقرار من العوامل التي ادت الى غياب المسرح عند العرب قديما:


ب- تعد طبيعة العقل العربي من الاسباب التي ادت الى غياب المسرح قديما عند العرب


ج- يعد المفهوم الديني من الاسباب = = = = = \؟


13- عند مجئ الاسلام اصبح الصراع الديني لا وجود له وضح ذلك؟

14-اذكر عناصر العمل المسرحي؟

15- بم يتميز الحدث المسرحي عن غيرهمن الاحداث؟

16- علل :- الحدث المسرحي مقيد بالزمان والمكان؟

17- بم تختلف السخصية في المسرحية عن الشخصية الروائية؟

18- علل:- الصراع في المسرحية يعد روحها:-


19- مم ينشأ الصراع في المسرحية؟
20- علل :- المسرحية في جوهرها حوار:-



21- كيف تكون لغة الحوار في المسرحية:-


22- علل:- من الافضل ان يكون الحوار في المسرحية بالغة الفصحى:-


23- ما المخاطر التي تنطةي على كتابة الحوار بالعامية:-



24- وضح مفهوم البناء المسرحي:-


25- اذكر الوحدات الثلاث للمسرحية؟ مبينا مفهوم كل منها؟
















اتهت الاسئلة:- معلمكم:- ابو البهاء
avatar
فلسطينية الهوية
Admin

عدد المساهمات : 183
نقاط : 489
التصويت : 1
تاريخ التسجيل : 21/10/2010
الموقع : لغة البيان

رد: تحليل سيميائي ليحيى بن يعمر

مُساهمة من طرف فلسطينية الهوية في الأحد أبريل 03, 2011 1:24 pm

السلام عليكم : نتمنى على الله ان يتطور هذا المنتدى بجهود امثالك بوركت جهودك ونحن مع كل راي ناقد وبناء

    الوقت/التاريخ الآن هو الأربعاء نوفمبر 22, 2017 3:50 am